preloader

مذكرة اللجنة العربية العليا إلى اللجنة الملكية البريطانية في 11-1-1937م

مذكرة (الشريف حسين ـ 1915)      تقدم اللجنة العربية العليا بالنيابة عن عرب فلسطين هذه المذكرة إلى لجنتكم الملكية التي بسطت فيها القضية العربية الفلسطينية والتي تحتوي على الأسباب الأساسية لاضطرابات صيف السنة الماضية والاضطرابات المتوالية في فلسطين منذ سنة 1919.

إن أسباب الاضطرابات الأساسية تلخص بالأمرين الآتيين:

(أ)- حرمان العرب في فلسطين من التمتع بحقوقهم الطبيعية والسياسية.

(ب)- إصرار الحكومة البريطانية على إتباع سياسة إنشاء وطن قومي يهودي في هذه البلاد العربية من شأنها في الواقع هدم الكيان العربي في البلاد وإيضاح ذلك كما يلي:

أولاً- إن القضية العربية في فلسطين هي قضية قومية استقلالية لا تختلف في جوهرها عن قضايا العرب في سائر البلاد العربية وليست هذه القضية حديثة بل ترجع إلى مدة طويلة قبل الحرب العامة.

لقد كان العرب يؤلفون جزءاً مهماً من كيان الدولة العثمانية ومن الخطأ أن يقال أن العرب كانوا تحت نير عبودية الأتراك وأن حركتهم ومساعدة الحلفاء لهم إنما كانت ترمي إلى تحريرهم من ذلك النير فقد كانوا في الحقيقة يتمتعون في كيان الدولة العثمانية بجميع أنواع الحقوق التي كان يتمتع بها الأتراك. سياسية كانت أو غير سياسية وذلك بحكم الدستور العثماني الذي وضع أساس حكم واحد لجميع البلاد والعناصر التي كان يتألف منها كيان الدولة العثمانية.

وكان العرب يشاطرون الأتراك في جميع مناصب الدولة المدنية والعسكرية الرئيسية وغير الرئيسية. فكان منهم رؤساء وزارات ووزراء وقواد فيالق وفرق وسفراء وولاة ومتصرفون كما أنهم كانوا شركاء الأتراك في البرلمان العثماني بقسميه النواب والأعيان ممثلين فيه بعدد كبير من الأعضاء متناسب مع عدد نفوسهم وفقاً للدستور وقانون الانتخاب العثماني. وفوق ذلك فقد كانت البلاد العربية تدار بحكم يستند على مجالس إدارية منتخبة في الأقضية والألوية والولايات وعلى مجالس عمومية انتخابية للولايات والألوية المستقلة كالقدس والتي كانت تتمتع بصلاحيات واسعة في الإدارة والمالية والتعليم والعمران.

غير أن العرب كانوا بالرغم من ذلك كله يطمحون إلى استكمال سيادتهم القومية في بلادهم طموحاً يرمي إلى استعادة المركز الممتاز الذي كان للشعب العربي في القرون الغابرة والذي قدم فيه للحضارة الإنسانية خدمات عظيمة بادية الأثر في كل نواحي الحياة المدنية العالمية. فلقد اعتنق منذ زمن طويل رجالات العرب وشبانهم الذين كان منهم عدد كبير من فلسطين الفكرة الاستقلالية ونشروها بقوة في جميع أوساط البلاد العربية. ونشطت هذه الحركة نشاطاً عظيماً منذ سنة 1908 (بعد إعلان الدستور العثماني) بنوع خاص إلى العمل في هذا السبيل. وتعرضوا في سبيلها إلى الاضطهادات الشديدة وتحمل التضحيات الجسيمة بالخاصة بعد عقد المؤتمر الأول في باريس سنة 1913 والذي كان مظهراً عظيماً من مظاهر هذه الحركة. وكان آخر هذه الأعمال قيام شريف مكة الشريف حسين حينئذ (الملك حسين) بثورته الكبرى باسم العرب متحالفاً مع بريطانيا العظمى سنة 1915 للوصول إلى تحقيق الغاية المنشودة وهي استقلال البلاد العربية.

ثانياً: قطعت الحكومة البريطانية للملك حسين بصفته ممثلاً للعرب عهوداً تأيدت مراراً تتضمن الاعتراف بقيام دولة عربية مستقلة وقد شملت هذه العهود فلسطين كما شملت سائر البلاد العربية في الدولة العثمانية.

وقد ادعى المستر ونستون تشرشل حينما كان وزيراً للمستعمرات في سنة 1922 بأن فلسطين لم تكن داخلة ضمن هذه الحدود في الرسائل التي تبودلت بين الملك حسين والسير هنري مكماهون دون ما جدوى إذ أن الاستثناءات التي لم يسلم بها في ذلك الحين الشريف حسين (الملك حسين) إنما أريد بها ما هو معروف اليوم بلبنان وذلك ثابت بدون أقل ريب بالدلائل الآتية:

1-  لقد أريد بهذه الاستثناءات عدم التعارض مع مدعيات فرنسا بمصالح خاصة في الأقسام الغربية من أقضية دمشق وحمص وحماة وحلب ولم يكن لفرنسا مدعيات إلا فيما يسمى اليوم لبنان.

2-    إن الاستثناءات تشمل الأقسام الواقعة غربي أقضية دمشق وحماة وحمص وحلب. وفلسطين ليست واقعة غربي هذه الأقضية.

3-  وأما ما ادعاه المستر تشرشل من أن المقصود من دمشق هو ولاية دمشق فخطأ من الأساس لأنه لم يكن هناك ولاية دمشق بل كانت دمشق عاصمة ولاية سوريا وتشتمل على قضاء واحد من عدة أقضية ضمن هذه الولاية. ولو أريد بقضاء دمشق ولاية سوريا التابعة لها أقضية شرق الأردن والتي تقع فلسطين في الغربي منها لما ذكرت أقضية حمص وحماة التي هي أيضاً أقضية داخلة في ولاية سوريا مثل قضاء دمشق. ولو عنيت فلسطين في هذا الاستثناء لذكر أيضاً أقضية السلط والكرك.

فالملك حسين استناداً إلى العهود المذكورة قام بثورته الكبرى ودعا إليها العرب في مختلف البلاد العربية فكان متطوعو فلسطين من أول الوافدين الذين انضموا إلى جيوش الثورة العربية. وقد كانت الطيارات تلقي في فلسطين المناشير العديدة للدعوة إلى انضمام جنود وضباط العرب فيها إلى الثورة العربية فاشترك عرب فلسطين فيها بمقياس واسع ضباطاً وجنوداً لأجل تحقيق غايات الحركة العربية التي كانت ترمي إلى استقلال البلاد العربية ومنها فلسطين.

ثالثاً: وضعت الحرب أوزارها على أساس مبادئ الرئيس ولسن ومنها مبدأ تقرير المصير ولقد أصبح تنفيذ هذا المبدأ حقاً مقدساً.

ولما تم النصر لجيوش الحلفاء أذاع اللورد اللنبي قائد جيوش الحلفاء في الشرق باسم الحكومتين البريطانية والفرنسية في تشرين الثاني 1918 في جميع مدن وقرى فلسطين وفي سوريا ولبنان بياناً جاء فيه أن القصد من حركة الحلفاء هو تمكين أهل البلاد من تقرير مصيرهم وإنشاء حكومات وطنية منهم وأنه لم يكن لفرنسا ولا لبريطانيا أي مقصد استعماري في هذه البلاد. وقد تلقى عرب فلسطين إذ ذاك هذا البيان بمثابة وثيقة عهد جديد مؤيد للعهود المقطوعة للملك حسين والمشار إليها آنفاً.

رابعاً: ثم عقد مؤتمر الصلح في فرسايل وكان أهم ما أنتجه هذا المؤتمر هو عهد “عصبة الأمم” وقد تأيد في هذا العهد مبدأ تقرير المصير ومبدأ الاعتراف باستقلال البلاد العربية المنسلخة عن الدولة العثمانية باعتبار أن سكانها العرب قد وصلوا إلى درجة من النضوج السياسي يجعلهم أهلاً للتمتع بالاستقلال بشرط أن يتلقوا الإرشاد والنصح لمدة مؤقتة من دولة عرفت بالدولة المنتدبة. وجعل لرأي أهل البلاد الاعتبار الأول في اختيارها.

وعلى أثر ذلك تقرر إيفاد لجنة دولية للبلاد العربية لاستفتاء سكانها، وجاءت اللجنة الأمريكية المعروفة بلجنة كراين – كنغ. وكانت نتيجة استفتاء هذه اللجنة برهاناً قاطعاً على رغبة أهل هذه البلاد بالاستقلال والحرية والوحدة السورية والعربية ورفض السياسة الصهيونية رفضاً باتاً.

خامساً: وبالرغم من كل ذلك وبعد أن كان لعرب فلسطين كل الحق في كيان عربي مستقل فقد سلخت بلادهم عن سوريا وفرض عليها الانتداب البريطاني وأدمج وعد بلفور في “صك الانتداب” ثم بالرغم عما ذكر في هذا الصك من أنه مستند إلى المادة 22 من عهد “عصبة الأمم” فقد صيغ في قالب لوحظت فيه بالدرجة الأولى مصالح اليهود وقد جعل فيه للحكومة المنتدبة الحق المطلق في التشريع والإدارة ونص فيه على وجوب وضع البلاد في حالات إدارية وسياسية واقتصادية من شأنها تسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي. وقد سارت الحكومة البريطانية في إدارة البلاد طيلة التسع عشرة سنة الماضية على سياسة ترمي إلى إنشاء هذا الوطن اليهودي مهملة تمام الإهمال المحافظة على حقوق و “وضعية” العرب التي أخلت إخلالاً فظيعاً بحيث نزلت نسبتهم العددية التي كانت 93% في بداية الاحتلال البريطاني إلى 70 % وبحيث خيب كل أمل لهم في الحكم الذاتي وبحيث حرموا من كل مشاركة في مرافق البلاد وبحيث أصبح كيانهم القومي مهدداً بالهدم والفناء وبحيث مكن اليهود من الاستيلاء على قسم كبير من أحسن الأراضي العربية وأخصبها وتشريد مزارعيها عنها ومحو القرى العربية فيها. هذا في حين أن البلاد العربية الأخرى المنسلخة عن الدولة العثمانية والمماثلة لفلسطين أي سوريا ولبنان والعراق قد قام بها منذ البدء حكم وطني ما لبث أن انتهى فيه عهد الانتداب وتثبتت العلاقة بينها وبين بريطانيا العظمى في العراق، وفرنسا في سوريا ولبنان على أساس معاهدة حلف وصداقة أخذت تتمتع بعدها هذه البلاد بحكم نفسها بنفسها.

فمن الطبيعي جداً أن يعتقد عرب فلسطين الذين كانوا يأملون طوال السنين السابقة رجوع بريطانيا إلى إنصافهم. إن كل حائل يحول بينهم وبين حقهم المقدس بالاستقلال والمحافظة على كيانهم القومي في بلادهم إنما هو قائم على الظلم وأن من واجبهم أن يظلوا مناضلين بجميع الوسائل المشروعة التي لديهم إلى أن يزول هذا الظلم وإلى أن يصلوا بزواله على حقهم المقدس.

سادساً: جاء في تصريح المستر ونستون تشرشل سنة 1922 أن المانع الوحيد لتأسيس حكومة وطنية في فلسطين أسوة بالبلاد العربية الأخرى ليس كون أهل فلسطين أقل رقياً وتقدماً من سكان تلك البلاد وإنما هو وعد بلفور. وفي هذا من الظلم والإجحاف ما لا يحتاج إلى إسهاب غذ أنه لا يمكن أن يبرر ذو وجدان أياً كان حرمان العرب في فلسطين من التمتع بحقهم المقدس بالحرية والاستقلال لا لذنب اقترفوه ولا لتقصير وقعوا فيه ولكن لأن الحكومة البريطانية وعدت اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.

على أنه مهما قيل عن تصريح بلفور فإن الحقيقة الناصعة أنه تصريح باطل من أساسه لا يقوم على أي منطق ولا يستند إلى أي حق. فقد اضمحل كيان اليهود بفلسطين منذ تشتتهم قبل نحو ألف وتسعمائة سنة ولم يبق لهم فيها وجود إلا بضعة آلاف لم يعيشوا في البلاد آمنين مطمئنين على أرواحهم وعلى أموالهم إلا بعد الفتح العربي وبفضل التقاليد العربية السمحة. وقد استقر العرب في فلسطين منذ أكثر من ألف وثلاثمائة سنة واصطبغت بهم بالصبغة العربية وما زالوا هم أصحابها الشرعيين ومنهم تتشكل أكثريتها الساحقة. ولم يكن عدد اليهود الذين دخلوا طوال زمن الحكم العثماني وما قبله ووجدوا عند الاحتلال إلا نحو 50.000 يهودي أو 7% من مجموع السكان عدد عظيم منهم أجانب.

سابعاً: يرمي وعد بلفور إلى غاية مبهمة ويحتوي على أمرين ثبت بالتطبيق أنهما متناقضان كل التناقض. أما أن غاية هذا الوعد مبهمة فلأنه بالرغم من المحاولات الرسمية العديدة لتفسيره لم يزد إلا إبهاماً. وأما أن الأمرين الذين جاءا فيه والمتعلقين بإنشاء الوطن القومي اليهودي والمحافظة على “حقوق” و “وضعية” العرب متناقضان تماماً فلأن أقل نتيجة طبيعية لإنشاء هذا الوطن هو ضياع “الحقوق” و “الوضعية” التي للعرب في البلاد.

غير أن الحكومة البريطانية التي حادت عن طريق الحق والوفاء بالعهود المقطوعة للعرب بارتباطها بوعد بلفور ظلت مستمرة في حيدها عن طريق الحق والعدل.

وحاولت أن تجعل المستحيل ممكناً بإنشاء وطن قومي يهودي في هذه البلاد العربية المحاطة بالأوقيانوس العربي من جميع الجهات والتي هي موضع الاهتمام العظيم للعالم العربي والإسلامي فأساءت إلى الحق والعدل وجعلت هذه البلاد المقدسة بلاد فتن دامية ليس من المستطاع أن تهدأ ما دام الشذوذ عن الحق والعدل هو الأساس الذي تقوم عليه إدارتها. إن التاريخ لم يرو حادثاً مثل هذا كما أن الإصرار على هذه السياسة ليس في مصلحة أي كان.

ثامناً: إن اللجنة العربية العليا لا ترى فائدة كبيرة من الدخول في تفاصيل وأرقام واسعة لإثبات الإجحاف الذي أصاب العرب من الإدارة البريطانية وما لقيه اليهود ويلقونه من تعضيد وتحيز ومحاباة وتسليم للمرافق الحيوية في البلاد، وما هي الروح الاستعمارية والصهيونية المسيطرة على فروع الإدارة والتشريع وما يقترف في سبيل ذلك من أعمال وحوادث لا تقرها مبادئ الحق والعدل كما أن العرب لا يرون أية فائدة وأمل من إصلاح في إدخال تغييرات ثانوية لأن الداء إنما هو الأساس وما لم يعالج الأساس معالجة صحيحة وجريئة فإن الداء يظل مستفحلاً والشر متفاقماً.

أما هذه المعالجة الأساسية والصريحة فهي:

1-  العدول عن تجربة الوطن القومي اليهودي الفاشلة التي نشأت عن وعد بلفور. وإعادة النظر في جميع النتائج التي نتجت عنها والتي ألحقت أشد الأضرار والأخطار بكيان العرب وحقوقهم.

2-    إيقاف الهجرة اليهودية إيقافاً تاماً وفوراً.

3-    منع انتقال الأراضي العربية لليهود منعاً باتاً وحالاً.

4-  حل قضية فلسطين على الأسس التي حلت عليها قضايا العراق وسوريا ولبنان وذلك بإنهاء عهد الانتداب وعقد معاهدة بين بريطانيا وفلسطين تقوم بموجبها حكومة مستقلة وطنية ذات حكم دستوري تتمثل فيها جميع العناصر الوطنية ويضمن للجميع فيها العدل والتقدم والرفاه.

محمد أمين الحسيني                                              فؤاد سابا

رئيس اللجنة العربية العليا                                        أمين السر

Related Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *